نتيجةً لزيادة عدد السكان، ازداد الاهتمام بتنظيم النسل كحلٍّ لهذه المشكلة، إلا أن العديد من المشكلات برزت لأن تنظيم النسل لا يقتصر على وسائل منع الحمل فحسب، بل يشمل أيضاً إمكانية الوصول إليها، والإجهاض الآمن والقانوني، والولادة الآمنة، مما يُعرِّض الفرد لمشكلات تتعلق باستقلاليته في اتخاذ القرارات والوصول إلى هذه الوسائل. وفيما يخص خدمات ووسائل تنظيم النسل المختلفة، كانت أبرز المعضلات الأخلاقية تتعلق بالإجهاض، بينما كانت أقلها أهمية تلك المتعلقة بمنع الحمل؛ إذ تم الاتفاق على عدم وجود مشكلات أخلاقية في استخدامها. بل إن استخدامها يُساعد الأزواج والأفراد على إدراك حقهم الأساسي في اتخاذ القرار بحرية ومسؤولية بشأن إنجاب الأطفال، وتوقيت ولادتهم، وعدد الأطفال الذين يُمكنهم إنجابهم. وقد ساهم ازدياد استخدام وسائل منع الحمل في تحسين النتائج الصحية، مثل انخفاض وفيات الأمهات والرضع، كما أثّر إيجاباً على مستوى التعليم والاقتصاد في المجتمعات التي تُشجع الشركاء على تنظيم النسل.
فوائد وسائل منع الحمل (تنظيم الأسرة)
- تساعد برامج تنظيم الأسرة العائلات على إنفاق أموال أقل وتكوين مدخرات أكبر مع مرور الوقت
- يجعل ذلك تعليم الأطفال أكثر سهولة، حيث يمكن للأطفال المتعلمين بشكل أفضل رعاية والديهم في وقت لاحق من حياتهم.
- فهو يقلل من أمراض الأم والطفل، مما يسمح باستخدام الأموال التي كان من الممكن استخدامها في علاجهما لأغراض بناءة.
- تقل احتمالية وفاة النساء بسبب مضاعفات الحمل والولادة، كما تقل احتمالية تعرضهن للإجهاض والولادة المبكرة.
- لديهم فرص أكبر للحصول على تعليم جيد والتقدم في حياتهم المهنية
- سيكون لديها المزيد من الوقت لرعاية الطفل وللاستعداد جسديًا وعاطفيًا وماليًا لحملها التالي
- أصبح لديها المزيد من الوقت لنفسها ولعائلتها، ويمكنها المشاركة في مختلف الأنشطة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية.
- زيادة احتمالية ولادة الأطفال بصحة جيدة وإمكانية إطالة فترة الرضاعة الطبيعية، مما سيؤثر إيجاباً على صحتهم العامة، بالإضافة إلى تلقيهم المزيد من الاهتمام والرعاية من والديهم.
أسباب عدم اللجوء إلى وسائل منع الحمل
تكمن المعضلة في كيفية التعامل مع الأعراف الاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر على تنظيم الأسرة. وفيما يلي ملخص لأهم الجوانب الاجتماعية التي تؤثر على تنظيم الأسرة:
اتخاذ القرارات بشأن الحمل
في كثير من العلاقات، يهيمن الرجال على عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بتنظيم الأسرة ومنع الحمل. وقد يلعب أفراد الأسرة والمجتمع أدوارًا مهمة أيضًا. وقد لا يناقش متخذو القرارات الأمر مع الأشخاص المعنيين. ومن أهم أسباب عدم استخدام وسائل منع الحمل ما يلي:
- الشريك يعارض
- هيمنة الذكور في صنع القرار
- معلومات مضللة حول موضوع تحديد النسل
في كثير من العلاقات، قد لا تشمل عملية اتخاذ القرار الفتيات والنساء أنفسهن، وقد تلعب عائلات الشريكين وأفراد آخرون من المجتمع دورًا في ذلك أحيانًا. إضافةً إلى ذلك، قد تتخذ الفتيات قرارات دون مناقشة الموضوع لأسباب مختلفة، كقلة الخبرة أو الشعور بعدم الارتياح عند الحديث عنه. أما في القضايا الحساسة، فإن السبب الرئيسي لعدم استخدام وسائل منع الحمل هو معارضة الزوج. حتى أن الدراسات في بعض الدول أكدت أن استخدام وسائل منع الحمل سرًا أو ضد رغبة الزوج قد يؤدي إلى العنف المنزلي ضد المرأة أو الانفصال عنها.
تتباين الأدلة حول العلاقة بين الزواج المبكر وتنظيم الأسرة واستخدام وسائل منع الحمل. يرى بعض الباحثين أن انتشار الزواج المبكر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانخفاض استخدام وسائل منع الحمل، وارتفاع معدلات الحمل غير المرغوب فيه، والإجهاض غير الآمن. في العديد من البلدان، تتطلع المجتمعات والأسر إلى أن تحمل المرأة وتلد بعد الزواج بفترة وجيزة، وفي هذه الحالات، غالبًا ما تكون الأعراف التقليدية والدينية، والضغوط المالية، وضعف المساواة بين الجنسين عوامل مباشرة في الزواج المبكر.
أحيانًا يكون التصور التقليدي الرافض لاستخدام وسائل منع الحمل الحديثة راسخًا بعمق، وقد يستغرق تغييره وقتًا طويلًا. تحدّ الصور النمطية السلبية والوصمة الاجتماعية المحيطة بمنع الحمل والجنس من استخدام وسائل منع الحمل، لا سيما بين الشباب والشابات. لذا، من الضروري التدخل مبكرًا في مرحلة تكوين الهوية والشخصية لدى المراهقين، وتنمية فهمهم للمعايير الاجتماعية المتعلقة بالجنس.
كيف يمكن مساعدة المجتمع في مجال تنظيم الأسرة ومنع الحمل؟
من بين 1.9 مليار امرأة في سن الإنجاب حول العالم، تحتاج 1.1 مليار امرأة إلى تنظيم الأسرة؛ وهنّ إما مستخدمات حاليات لوسائل منع الحمل أو لديهنّ حاجة غير مُلبّاة لتنظيم الأسرة. من بين هؤلاء النساء، تستخدم 842 مليونًا وسائل منع الحمل الحديثة، بينما تستخدم 80 مليونًا الوسائل التقليدية (5). إضافةً إلى رغبة العديد من الأفراد والأزواج حول العالم في الحدّ من عدد المواليد، إلا أنهم لا يستخدمون وسائل منع الحمل لأسباب عديدة، منها ما ذُكر آنفًا.
التدخل الحكومي ضروري، حتى يتمكن السياسيون ومديرو برامج التنمية من اتخاذ الخطوات الرئيسية التالية لضمان توفر خدمات منع الحمل وإتاحتها لجميع من يرغبون بها.
1. إلغاء السياسات التي تقيد حرية الاختيار:
تشمل السياسات التي تقيد استخدام وسائل منع الحمل ما يلي: تجريم بعض الوسائل (مثل التعقيم الطوعي)، وتقييد الإعلانات المتعلقة بوسائل منع الحمل، وحصر توزيع وسائل منع الحمل على الأطباء فقط، ومنع النساء من الحصول على وسائل منع الحمل دون إذن أزواجهن.
2. تقديم الدعم المالي لخدمات تنظيم الأسرة:
يُعد تنظيم الأسرة استثماراً فعالاً من حيث التكلفة، ويساهم في نهاية المطاف في إنقاذ الأرواح بالإضافة إلى الوفورات المادية الناتجة عنه.
3. استخدام استراتيجيات المعلومات والتثقيف والتواصل المناسبة لإعلام الناس بتنظيم الأسرة:
يمكن للبرامج أن تساعد في ضمان حصول الأزواج على معلومات كافية لاتخاذ قرار سليم بشأن خياراتهم المتعلقة بوسائل منع الحمل من خلال تقديم المشورة وجهاً لوجه مع مواد مطبوعة مناسبة واستخدام وسائل الإعلام.
4. دعم البحث والتقييم لأساليب وبرامج تنظيم الأسرة:
تُسهم الأبحاث في مجال تقنيات منع الحمل في تطوير أساليب جديدة، وتحسين الأساليب الحالية، وتعزيز معرفة مدى أمان الطريقة التي تُنظم بها الأسرة. كما أن دراسة كيفية عمل برامج تنظيم الأسرة تُساعد في تحديد أفضل السبل لتقديم وسائل منع الحمل المختلفة في ثقافات متعددة.
من خلال منح المرأة حرية التحكم في عدد ولاداتها والفترة الزمنية بينها، يُسهم تنظيم الأسرة في الحفاظ على صحتها وخصوبتها، كما يُحسّن جودة حياتها بشكل عام. ويُسهم أيضًا في تحسين صحة الأطفال وضمان حصولهم على الغذاء والملبس والسكن المناسبين وفرص التعليم الكافية. ويُحقق تنظيم الأسرة هذه التحسينات في الصحة وجودة الحياة بتكلفة منخفضة جدًا مقارنةً بالاستثمارات في معظم التدخلات الصحية والاجتماعية الأخرى.
إن تخصيص الموارد البشرية والمالية لتحسين خدمات تنظيم الأسرة لن يؤدي فقط إلى تحسين صحة ورفاهية الأسرة، بل سيدعم أيضًا الجهود المبذولة لتحقيق كثافة سكانية مستدامة.


