المستشفى الحكومي بين سندان الإهمال ومطرقة الاستثمار: قراءة في فلسفة “التطوير بالفقر”


358
166 shares, 358 points
المستشفى الحكومي

تُشكل الرعاية الصحية العمود الفقري لأي عقد اجتماعي متين بين الدولة والمواطن. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد سريالي يشبه أفلام الكوميديا السوداء؛ حيث يقف المستشفى الحكومي في قلب المدينة كشيخ متقاعد أثقلته السنين ونسيه الجميع، بينما تتلألأ المصحات الخاصة على بُعد خطوات منه كقصور عصرية تعد بالخلود لمن يملك الثمن. إن هذا التباين الصارخ ليس مجرد صدفة معمارية أو نتيجة لضعف الميزانيات فقط، بل هو تجسيد لسياسات اقتصادية حولت الحق في العلاج إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب، وجعلت من معاناة المريض مادة خام للاستثمار الرابح.

واقع المستشفى الحكومي: معركة خاسرة مع الزمن والموارد

عندما تدخل إلى المستشفى الحكومي في كثير من مدننا، تشعر وكأنك عبرت بوابة زمنية نحو الماضي المنسي. الجدران التي كانت يومًا بيضاء أصبحت الآن لوحة فنية من التشققات والطلاء المقشر الذي يتساقط مثل أوراق الخريف. الهواء مشبع برائحة الانتظار الممزوجة بالمعقمات الرخيصة، وساعة الردهة متوقفة منذ زمن طويل، وكأنها تعلن للمرضى أن الزمن هنا لا قيمة له، وأن عليهم ترك ساعاتهم وتوقعاتهم عند البوابة الخارجية.

الازدحام: طوابير الصبر الأبدي

أمام أبواب المستشفى الحكومي، يصطف المواطنون في طوابير لا تنتهي، تمتد أحيانًا إلى خارج الأسوار. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في قوائم الانتظار، بل هم أشخاص يحملون ملفات طبية مهترئة وصبرًا يفوق طاقة البشر. المشكلة هنا ليست في نقص الكفاءات الطبية فحسب، بل في هيكلية إدارية تبدو وكأنها مصممة لتعقيد الوصول إلى الخدمة. يرفع المبنى لافتة غير مكتوبة لكنها محسوسة في كل زاوية: “الرجاء الانتظار.. حتى إشعار آخر”، وكأن الشفاء في هذا المكان هو محض صدفة أو مكافأة للمثابرين.

الأجهزة الطبية: تحف أثرية في غرف الطوارئ

داخل الغرف والأقسام، تجد أجهزة طبية تبدو وكأنها استُخرجت من متاحف التاريخ الصحي. أجهزة الأشعة التي تتعطل أكثر مما تعمل، وأسرة تصدر أصوات احتجاجية حادة مع كل حركة مريض، ومصاعد تحمل لافتة “يعمل أحياناً.. حسب المزاج”. هذا الوضع الكارثي يضع الكوادر الطبية في مواجهة مستحيلة؛ فهم مطالبون بإنقاذ الأرواح بأدوات تنتمي لعصر ما قبل الثورة الرقمية. الطبيب في المستشفى الحكومي لا يحارب المرض فحسب، بل يحارب نقص الشاش، وتعطل المولدات، وغياب أبسط المستلزمات الضرورية.

صعود المصحات الخاصة: النجمة السينمائية للقطاع الصحي

على النقيض تمامًا، تظهر المصحة الخاصة على الضفة الأخرى من الشارع كأنها نجمة سينمائية في مهرجان دولي. زجاج لامع يعكس ضوء الشمس، حدائق منسقة بعناية فائقة، وموظفو استقبال بابتسامات بيضاء مدربة بعناية في ورش العمل حول “خدمة العملاء”. هنا، لا يوجد مفهوم “الازدحام”؛ لأن الوقت ليس مجرد قيمة معنوية، بل هو سلعة تُشترى وتباع بالدقيقة.

التكنولوجيا المستقبلية مقابل الأطلال

بينما يعاني المستشفى الحكومي من نقص حاد في الأساسيات، تعرض المصحات الخاصة أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الطبية العالمية. أجهزة تشخص المرض قبل أن يشعر به المريض نفسه، وغرف عمليات تشبه كبائن السفن الفضائية في أفلام الخيال العلمي، وشاشات ضخمة تعرض البيانات الحيوية بدقة مذهلة. الفرق هنا بسيط وموجع في آن واحد: في المصحة تدفع أكثر، فتشعر أنك “تستحق” أن تعيش أكثر، وأن جسدك يحظى بالاحترام الذي تفرضه قوة الفاتورة.

الطبقة المخملية والعدالة المفقودة

هذا التوسع الهائل في القطاع الخاص لا يعكس بالضرورة تطورًا في المنظومة الصحية الشاملة للبلاد، بل يعكس عملية “تعويم” للصحة. لقد أصبح العلاج الجيد امتيازًا محصورًا في الطبقة المخملية ومن يملك بطاقة ائتمانية ذهبية أو تأمينًا صحيًا دوليًا. بينما يظل المستشفى الحكومي هو الملاذ الوحيد والنهائي للغالبية العظمى من المواطنين الذين لا يملكون سوى “بطاقة الهوية” وأملًا ضعيفًا في الالتفات لمطالبهم.

فلسفة “التطوير بالإضعاف”: هل هو تدمير ممنهج؟

المفارقة الكبرى التي تثير الضحك المرير تكمن في تصريحات المسؤولين الحكوميين. يتحدثون في المحافل الدولية عن “رفع الكفاءة” و”رقمنة القطاع الصحي”، لكن الواقع على الأرض يشير إلى نوع إبداعي وخطير من التطوير: إضعاف المستشفى الحكومي بشكل منهجي ومستمر حتى يضطر المواطن، تحت ضغط الألم والخوف على الحياة، للجوء إلى القطاع الخاص كحل وحيد لا بديل له.

المسؤول الحكومي والخطاب المتفائل

في الكاريكاتير الواقعي لحياتنا اليومية، يقف المسؤول ببدلته الأنيقة ليشرح أمام الكاميرات نجاح الإصلاحات الصحية المبهرة، بينما في الخلفية يسقط جزء من جدار المستشفى الحكومي دون أن يجرؤ أحد على قطع خطابه المتفائل. هذا الانفصال التام عن الواقع يعكس سياسة تهدف إلى تحويل الدولة من “مقدم أساسي للخدمة” إلى “منظم للسوق”، وهو تحول جذري يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي يجد نفسه تائهًا بين انتظار قد يودي بحياته في المرفق العام، وفاتورة قد تقضي على مستقبله المالي في المرفق الخاص.

الميزانيات ذات البوصلة الواحدة

تبدو الميزانيات العامة وكأنها تمتلك بوصلة سحرية تشير دائمًا نحو دعم الاستثمارات الكبرى وتسهيل القروض للمصحات الخاصة تحت مسمى “تحفيز الاستثمار”، بينما يُترك المستشفى الحكومي ينتظر نصيبه الزهيد من الميزانية مثل طفل نسيته عائلته في زحام متجر الألعاب. إن تحويل الصحة من خدمة اجتماعية إلى فرصة استثمارية مربحة هو العبقرية الاقتصادية الجديدة التي نعيش مرارتها اليوم.

الطبيب في المستشفى الحكومي: بطل بلا عباءة

لا يمكننا الحديث عن المستشفى الحكومي دون إنصاف الأطباء والممرضين الذين يعملون في ظله. إنهم يظهرون في هذا المشهد كأبطال خارقين لكن دون قوى خارقة أو أدوات مساعدة. طبيب واحد يواجه مئات الحالات يوميًا، يكتب الوصفات، يهدئ روع الأهالي القلقين، ويحاول في الوقت نفسه البحث عن مخرج تقني لجهاز تعطل في منتصف الفحص.

في المقابل، في المصحة الخاصة، يحظى الطبيب بالبيئة المثالية، والمساعدين التقنيين، والوقت الكافي لشرح التشخيص حتى لأبسط التفاصيل. هذا التباين الحاد يؤدي حتمًا إلى “هجرة الأدمغة” من القطاع العام المنهك إلى القطاع الخاص المريح، مما يزيد من إضعاف المستشفى الحكومي وتفريغه من أفضل كفاءاته، لتستمر الدائرة المفرغة في الدوران لصالح أصحاب النفوذ والمصالح.

رأي موقع Caricature.ma في قضية الخصخصة الصحية

يرى موقع Caricature.ma أن المشهد الصحي الحالي هو “أقوى كاريكاتير واقعي” يمكن رسمه بالدموع قبل الحبر. نحن نعتبر أن تحويل المستشفى الحكومي إلى مجرد أطلال تسكنها الأشباح والانتظار ليس فشلاً إداريًا عابرًا، بل هو “جريمة تصميمية” متعمدة في هيكل الدولة الحديثة. إن الضحكة المريرة التي يثيرها مشهد المسؤول وهو يتغنى بالتطور بينما يسقط سقف المستشفى فوق رؤوس المرضى، هي أعلى درجات النقد اللاذع لسياسات تحاول إقناعنا بأن “المرض” هو مجرد فرصة تجارية. بالنسبة لنا في “كاريكاتير”، فإن الريشة لن تتوقف عن فضح هذا التواطؤ الصامت الذي يسقي نبات المصحات الخاصة بماءٍ يُسرق علنًا من جذور المستشفى العمومي الكادح.

المواطن بين المطرقة والسندان: هل الصحة حق أم امتياز؟

يجد المواطن نفسه في لحظة فلسفية وجودية عميقة عندما يقف أمام بوابة المستشفى الحكومي. يكتشف في تلك اللحظة أن قيمته كإنسان وصحته الجسدية مرتبطة بميزانيته الشهرية أكثر من ارتباطها بحقوقه الدستورية. إذا كان يملك فائضًا ماليًا، فسيحصل على “خدمة توصيل فاخرة” نحو الشفاء، وإذا كان من الطبقة الكادحة، فعليه أن يتقن فن الصبر الطويل لعل وعسى تبتسم له الأقدار.

تحويل الحقوق إلى استثمارات

عندما يصبح إهمال المستشفى الحكومي سياسة غير معلنة تهدف لتهجير المرضى نحو القطاع الخاص، فإننا ننتقل من مجتمع التكافل إلى مجتمع “البقاء للأغنى”. يتحول القطاع الخاص هنا من “خيار إضافي لمن يريد الرفاهية” إلى “بديل وحيد وضرورة قصوى للحياة”. وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ إذ يتم تفكيك العقد الاجتماعي وتفكيك مفهوم الحقوق الإنسانية لصالح المنطق التجاري البحت. فالمستثمر، بطبيعة الحال، لا يبحث عن علاج الفقراء أو الحالات المعقدة غير المربحة، بل يبحث عن العائد المادي السريع، وهذا المنطق يتناقض جذريًا مع الطبيعة الإنسانية لقطاع الصحة.

الخاتمة: حلم العودة إلى “الصحة للجميع”

إن عملية إنقاذ المستشفى الحكومي لا تبدأ بطلاء الجدران أو تغيير الأثاث فحسب، بل تبدأ باستعادة الإرادة السياسية التي تؤمن بأن كرامة المواطن تبدأ من سرير مستشفى عام يحترمه ويقدر آدميته. يجب أن تتوقف الحكومات عن معاملة قطاع الصحة كعبء مالي يرهق الميزانية، والبدء في اعتباره الاستثمار الأهم والأبقى في الرأسمال البشري.

المشهد الأخير في هذا الكاريكاتير الواقعي المؤلم يصور المستشفى الحكومي كشخصية بشرية متعبة، منحنية الظهر، تحمل لافتة كتب عليها بخط يد مرتعش: “أنا حقكم الأصيل.. فلا تتركوني للمجهول”. بينما تمر بجانبه سيارات الاستثمار الفاخرة وشعارات الربح السريع، يبقى الأمل معلقاً على وعي مجتمعي شامل يرفض تحويل المرض إلى تجارة، ويصر على أن يظل المرفق الصحي العام صرحاً آمناً وعادلاً للجميع، لا مجرد ذكرى جميلة وحزينة من زمن كانت فيه الصحة حقًا مقدسًا لا يقبل البيع أو المزايدة.


المستشفى الحكومي
بين سندان الإهمال ومطرقة الاستثمار: قراءة في فلسفة “التطوير بالفقر”

تُشكل الرعاية الصحية العمود الفقري لأي عقد اجتماعي متين بين الدولة والمواطن. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد سريالي يشبه أفلام الكوميديا السوداء؛ حيث يقف المستشفى الحكومي في قلب المدينة كشيخ متقاعد أثقلته السنين ونسيه الجميع، بينما تتلألأ المصحات الخاصة على بُعد خطوات منه كقصور عصرية تعد بالخلود لمن يملك الثمن. إن هذا التباين الصارخ ليس مجرد صدفة معمارية أو نتيجة لضعف الميزانيات فقط، بل هو تجسيد لسياسات اقتصادية حولت الحق في العلاج إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب، وجعلت من معاناة المريض مادة خام للاستثمار الرابح.

واقع المستشفى الحكومي: معركة خاسرة مع الزمن والموارد

عندما تدخل إلى المستشفى الحكومي في كثير من مدننا، تشعر وكأنك عبرت بوابة زمنية نحو الماضي المنسي. الجدران التي كانت يومًا بيضاء أصبحت الآن لوحة فنية من التشققات والطلاء المقشر الذي يتساقط مثل أوراق الخريف. الهواء مشبع برائحة الانتظار الممزوجة بالمعقمات الرخيصة، وساعة الردهة متوقفة منذ زمن طويل، وكأنها تعلن للمرضى أن الزمن هنا لا قيمة له، وأن عليهم ترك ساعاتهم وتوقعاتهم عند البوابة الخارجية.

الازدحام: طوابير الصبر الأبدي

أمام أبواب المستشفى الحكومي، يصطف المواطنون في طوابير لا تنتهي، تمتد أحيانًا إلى خارج الأسوار. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في قوائم الانتظار، بل هم أشخاص يحملون ملفات طبية مهترئة وصبرًا يفوق طاقة البشر. المشكلة هنا ليست في نقص الكفاءات الطبية فحسب، بل في هيكلية إدارية تبدو وكأنها مصممة لتعقيد الوصول إلى الخدمة. يرفع المبنى لافتة غير مكتوبة لكنها محسوسة في كل زاوية: “الرجاء الانتظار.. حتى إشعار آخر”، وكأن الشفاء في هذا المكان هو محض صدفة أو مكافأة للمثابرين.

الأجهزة الطبية: تحف أثرية في غرف الطوارئ

داخل الغرف والأقسام، تجد أجهزة طبية تبدو وكأنها استُخرجت من متاحف التاريخ الصحي. أجهزة الأشعة التي تتعطل أكثر مما تعمل، وأسرة تصدر أصوات احتجاجية حادة مع كل حركة مريض، ومصاعد تحمل لافتة “يعمل أحياناً.. حسب المزاج”. هذا الوضع الكارثي يضع الكوادر الطبية في مواجهة مستحيلة؛ فهم مطالبون بإنقاذ الأرواح بأدوات تنتمي لعصر ما قبل الثورة الرقمية. الطبيب في المستشفى الحكومي لا يحارب المرض فحسب، بل يحارب نقص الشاش، وتعطل المولدات، وغياب أبسط المستلزمات الضرورية.

صعود المصحات الخاصة: النجمة السينمائية للقطاع الصحي

على النقيض تمامًا، تظهر المصحة الخاصة على الضفة الأخرى من الشارع كأنها نجمة سينمائية في مهرجان دولي. زجاج لامع يعكس ضوء الشمس، حدائق منسقة بعناية فائقة، وموظفو استقبال بابتسامات بيضاء مدربة بعناية في ورش العمل حول “خدمة العملاء”. هنا، لا يوجد مفهوم “الازدحام”؛ لأن الوقت ليس مجرد قيمة معنوية، بل هو سلعة تُشترى وتباع بالدقيقة.

التكنولوجيا المستقبلية مقابل الأطلال

بينما يعاني المستشفى الحكومي من نقص حاد في الأساسيات، تعرض المصحات الخاصة أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الطبية العالمية. أجهزة تشخص المرض قبل أن يشعر به المريض نفسه، وغرف عمليات تشبه كبائن السفن الفضائية في أفلام الخيال العلمي، وشاشات ضخمة تعرض البيانات الحيوية بدقة مذهلة. الفرق هنا بسيط وموجع في آن واحد: في المصحة تدفع أكثر، فتشعر أنك “تستحق” أن تعيش أكثر، وأن جسدك يحظى بالاحترام الذي تفرضه قوة الفاتورة.

الطبقة المخملية والعدالة المفقودة

هذا التوسع الهائل في القطاع الخاص لا يعكس بالضرورة تطورًا في المنظومة الصحية الشاملة للبلاد، بل يعكس عملية “تعويم” للصحة. لقد أصبح العلاج الجيد امتيازًا محصورًا في الطبقة المخملية ومن يملك بطاقة ائتمانية ذهبية أو تأمينًا صحيًا دوليًا. بينما يظل المستشفى الحكومي هو الملاذ الوحيد والنهائي للغالبية العظمى من المواطنين الذين لا يملكون سوى “بطاقة الهوية” وأملًا ضعيفًا في الالتفات لمطالبهم.

فلسفة “التطوير بالإضعاف”: هل هو تدمير ممنهج؟

المفارقة الكبرى التي تثير الضحك المرير تكمن في تصريحات المسؤولين الحكوميين. يتحدثون في المحافل الدولية عن “رفع الكفاءة” و”رقمنة القطاع الصحي”، لكن الواقع على الأرض يشير إلى نوع إبداعي وخطير من التطوير: إضعاف المستشفى الحكومي بشكل منهجي ومستمر حتى يضطر المواطن، تحت ضغط الألم والخوف على الحياة، للجوء إلى القطاع الخاص كحل وحيد لا بديل له.

المسؤول الحكومي والخطاب المتفائل

في الكاريكاتير الواقعي لحياتنا اليومية، يقف المسؤول ببدلته الأنيقة ليشرح أمام الكاميرات نجاح الإصلاحات الصحية المبهرة، بينما في الخلفية يسقط جزء من جدار المستشفى الحكومي دون أن يجرؤ أحد على قطع خطابه المتفائل. هذا الانفصال التام عن الواقع يعكس سياسة تهدف إلى تحويل الدولة من “مقدم أساسي للخدمة” إلى “منظم للسوق”، وهو تحول جذري يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي يجد نفسه تائهًا بين انتظار قد يودي بحياته في المرفق العام، وفاتورة قد تقضي على مستقبله المالي في المرفق الخاص.

الميزانيات ذات البوصلة الواحدة

تبدو الميزانيات العامة وكأنها تمتلك بوصلة سحرية تشير دائمًا نحو دعم الاستثمارات الكبرى وتسهيل القروض للمصحات الخاصة تحت مسمى “تحفيز الاستثمار”، بينما يُترك المستشفى الحكومي ينتظر نصيبه الزهيد من الميزانية مثل طفل نسيته عائلته في زحام متجر الألعاب. إن تحويل الصحة من خدمة اجتماعية إلى فرصة استثمارية مربحة هو العبقرية الاقتصادية الجديدة التي نعيش مرارتها اليوم.

الطبيب في المستشفى الحكومي: بطل بلا عباءة

لا يمكننا الحديث عن المستشفى الحكومي دون إنصاف الأطباء والممرضين الذين يعملون في ظله. إنهم يظهرون في هذا المشهد كأبطال خارقين لكن دون قوى خارقة أو أدوات مساعدة. طبيب واحد يواجه مئات الحالات يوميًا، يكتب الوصفات، يهدئ روع الأهالي القلقين، ويحاول في الوقت نفسه البحث عن مخرج تقني لجهاز تعطل في منتصف الفحص.

في المقابل، في المصحة الخاصة، يحظى الطبيب بالبيئة المثالية، والمساعدين التقنيين، والوقت الكافي لشرح التشخيص حتى لأبسط التفاصيل. هذا التباين الحاد يؤدي حتمًا إلى “هجرة الأدمغة” من القطاع العام المنهك إلى القطاع الخاص المريح، مما يزيد من إضعاف المستشفى الحكومي وتفريغه من أفضل كفاءاته، لتستمر الدائرة المفرغة في الدوران لصالح أصحاب النفوذ والمصالح.

رأي موقع Caricature.ma في قضية الخصخصة الصحية

يرى موقع Caricature.ma أن المشهد الصحي الحالي هو “أقوى كاريكاتير واقعي” يمكن رسمه بالدموع قبل الحبر. نحن نعتبر أن تحويل المستشفى الحكومي إلى مجرد أطلال تسكنها الأشباح والانتظار ليس فشلاً إداريًا عابرًا، بل هو “جريمة تصميمية” متعمدة في هيكل الدولة الحديثة. إن الضحكة المريرة التي يثيرها مشهد المسؤول وهو يتغنى بالتطور بينما يسقط سقف المستشفى فوق رؤوس المرضى، هي أعلى درجات النقد اللاذع لسياسات تحاول إقناعنا بأن “المرض” هو مجرد فرصة تجارية. بالنسبة لنا في “كاريكاتير”، فإن الريشة لن تتوقف عن فضح هذا التواطؤ الصامت الذي يسقي نبات المصحات الخاصة بماءٍ يُسرق علنًا من جذور المستشفى العمومي الكادح.

المواطن بين المطرقة والسندان: هل الصحة حق أم امتياز؟

يجد المواطن نفسه في لحظة فلسفية وجودية عميقة عندما يقف أمام بوابة المستشفى الحكومي. يكتشف في تلك اللحظة أن قيمته كإنسان وصحته الجسدية مرتبطة بميزانيته الشهرية أكثر من ارتباطها بحقوقه الدستورية. إذا كان يملك فائضًا ماليًا، فسيحصل على “خدمة توصيل فاخرة” نحو الشفاء، وإذا كان من الطبقة الكادحة، فعليه أن يتقن فن الصبر الطويل لعل وعسى تبتسم له الأقدار.

تحويل الحقوق إلى استثمارات

عندما يصبح إهمال المستشفى الحكومي سياسة غير معلنة تهدف لتهجير المرضى نحو القطاع الخاص، فإننا ننتقل من مجتمع التكافل إلى مجتمع “البقاء للأغنى”. يتحول القطاع الخاص هنا من “خيار إضافي لمن يريد الرفاهية” إلى “بديل وحيد وضرورة قصوى للحياة”. وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ إذ يتم تفكيك العقد الاجتماعي وتفكيك مفهوم الحقوق الإنسانية لصالح المنطق التجاري البحت. فالمستثمر، بطبيعة الحال، لا يبحث عن علاج الفقراء أو الحالات المعقدة غير المربحة، بل يبحث عن العائد المادي السريع، وهذا المنطق يتناقض جذريًا مع الطبيعة الإنسانية لقطاع الصحة.

الخاتمة: حلم العودة إلى “الصحة للجميع”

إن عملية إنقاذ المستشفى الحكومي لا تبدأ بطلاء الجدران أو تغيير الأثاث فحسب، بل تبدأ باستعادة الإرادة السياسية التي تؤمن بأن كرامة المواطن تبدأ من سرير مستشفى عام يحترمه ويقدر آدميته. يجب أن تتوقف الحكومات عن معاملة قطاع الصحة كعبء مالي يرهق الميزانية، والبدء في اعتباره الاستثمار الأهم والأبقى في الرأسمال البشري.

المشهد الأخير في هذا الكاريكاتير الواقعي المؤلم يصور المستشفى الحكومي كشخصية بشرية متعبة، منحنية الظهر، تحمل لافتة كتب عليها بخط يد مرتعش: “أنا حقكم الأصيل.. فلا تتركوني للمجهول”. بينما تمر بجانبه سيارات الاستثمار الفاخرة وشعارات الربح السريع، يبقى الأمل معلقاً على وعي مجتمعي شامل يرفض تحويل المرض إلى تجارة، ويصر على أن يظل المرفق الصحي العام صرحاً آمناً وعادلاً للجميع، لا مجرد ذكرى جميلة وحزينة من زمن كانت فيه الصحة حقًا مقدسًا لا يقبل البيع أو المزايدة.

لمزيد من التحليلات المعمقة حول السياسات العامة وحقوق الإنسان في الرعاية الصحية، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي لـ منظمة الصحة العالمية للاطلاع على التقارير الدولية والمعايير الضرورية لضمان العدالة الصحية في المجتمعات النامية.


Comments

comments

Powered by Facebook Comments

error: Content is protected !!
Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
Meme
Upload your own images to make custom memes
Image
Photo or GIF