كثيرًا ما أسمع أو أقرأ تعليقات حول موضوع الأكوان المتعددة. لماذا توصلنا إلى هذه الفرضية، وهل هي مثبتة فعلاً؟ وماذا يعني وجود أكوان متعددة؟
في الواقع، إن استنتاج وجود الأكوان المتعددة ناتج عن نظرية علمية مثبتة تسمى “التضخم الكوني”. في البداية، كيف نعرف أن الكون بدأ من حدث أولي وأنه لم يكن على شكله الحالي منذ الأزل؟
دفعت عدة أدلة مادية العلماء إلى استنتاج نظرية الانفجار العظيم. ولعلّ أهم هذه الأدلة هو تسارع توسع الكون، حيث تبتعد المجرات الأبعد عنا أكثر فأكثر. ومن جمال العلم أن إيجاد الإجابة يثير المزيد من التساؤلات، لذا سأستعرض سلسلة من الأسئلة والأجوبة التي قادتنا إلى استنتاج وجود أكوان متعددة.
توسع:
اكتشف العالم هابل أن كوننا مليء بالمجرات، وأن الافتراض السابق بأن كوننا مجرة واحدة خاطئ. أثارت هذه الحقيقة الجديدة فضولًا لمعرفة مدى بُعد هذه المجرات عنا، وعند رصدها، تبيّن أن تردد الضوء القادم منها يصل إلينا بانزياح نحو الأحمر. يعني هذا الاكتشاف أن الضوء القادم إلينا من تلك المجرات يبتعد عنا بفعل مبدأ دوبلر، الذي يصف آلية الموجات في الطبيعة وكيف يتغير ترددها تبعًا لاتجاه حركتها. جميعنا نُدرك صوت سيارة الإسعاف وهي تمر، وكيف يكون عاليًا وحادًا ثم يخفت تدريجيًا مع اتجاه سيرها. هذه الظاهرة التي تجعل صوت سيارة الإسعاف يتناقص تدريجيًا هي نفسها التي تجعل سطوع المجرات يصل إلينا بانزياح نحو الأحمر، نظرًا لبُعدها عنا.
لذلك اكتشفنا أن الكون يتكون من العديد من المجرات وأن هذه المجرات في حالة حركة في الاتجاه المعاكس لنا نتيجة لتوسع الفضاء بيننا وبين تلك المجرات.
ومن هنا بدأت فكرة الانفجار العظيم في الظهور، كما لو أننا نعود بالزمن إلى الوراء، فلا بد أن هذه المجرات كانت قريبة جدًا من بعضها البعض حتى وصلنا إلى نقطة صغيرة جدًا.
الإشعاع الكوني الخلفي:
في إطار البحث حول نظرية الانفجار العظيم، أنشأ الباحثون مرصدًا لقياس التأثيرات الإشعاعية لبداية الكون وتوسعه، وكانت النتيجة ما يُعرف بخريطة
إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، أو بعبارة أخرى، خريطة تُظهر التأثير الإشعاعي للتفاعلات النووية في الكون. تُظهر هذه الخريطة تجانس الكون في جميع أجزائه، بحيث لا يمكن تمييز أي جزء منه على الخريطة.
تثير هذه النتيجة سؤالاً بالغ الأهمية والتعقيد. بما أن الكون يتوسع، وبما أن عمره يبلغ حوالي 14 مليار سنة، فهذا يعني أن المسافة بين طرفي الكون تُقدّر بنحو 92 مليار سنة ضوئية. وهذا يعني أن المعلومات (الخصائص الفيزيائية) الموجودة عند طرفي الكون، والتي اكتشفنا أنها متطابقة، بعيدة بما يكفي بحيث لا يستطيع الضوء الوصول إليها.
ومن هذه النقطة، نشأت نظرية تسمى التضخم الكوني، والتي تشرح كيف توسع الكون بشكل كبير في اللحظات الأولى، مما يفسر التجانس بين الأجزاء بحكم حقيقة أنها كانت جزءًا واحدًا وانفصلت ثم توسعت.
هنا لن أتطرق إلى أي تفاصيل تقنية، وسأكتفي بشرح المفاهيم بإيجاز للوصول إلى استنتاج حول الأكوان المتعددة.
تخيل الآن أن الكون عبارة عن فقاعة بدأت تتمدد بشكل متسارع. الاستنتاج الذي توصلت إليه نظرية التمدد هو أن أجزاء هذه الفقاعة لن تتمدد جميعها بنفس السرعة، مما يعني أن بعض الأجزاء التي تتمدد بشكل أبطأ من غيرها ستشكل فقاعة داخل الفقاعة الأساسية أو الكون الأصلي الذي بدأنا منه.
تخيل فقاعة كبيرة تتمدد، لكن أجزاءها تتمدد بسرعات متفاوتة. سينتج عن ذلك فقاعات عديدة نتيجة لاختلاف السرعات، وستستمر كل فقاعة في التمدد، ولكن في ظل ظروف وسرعات مختلفة، مما يعني أن الظروف التي تنشأ داخل كل فقاعة ستكون مختلفة.
خلاصة: إن ظهور فقاعات مختلفة نتيجة لاختلاف سرعات التمدد هو ما توصلنا إليه من خلال نظرية التضخم الكوني. تُعدّ نظرية التضخم الكوني نظرية راسخة مدعومة بالعديد من الأدلة الملموسة التي لم أتطرق إليها بالتفصيل (باستثناء كون الكون مسطحًا، ووجود تجانس كوني في جميع جوانبه، وقطبية الإشعاع الكوني، ونظرية التطور الذري من الهيدروجين). هي استنتاج رياضي، وبما أن النظرية نفسها مثبتة، فإن استنتاجاتها تُعتبر استنتاجات علمية، ولكنها تبقى غير مثبتة.
هذه استنتاجات تزعم وجود فقاعات، نسميها الأكوان المتعددة، حيث تختلف القوانين الفيزيائية اختلافًا طفيفًا نتيجةً لسرعات التوسع التي حدثت داخل تلك الفقاعات في بداية التضخم الكوني. نحن نعيش داخل إحدى هذه الفقاعات، وهناك فقاعات كونية أخرى داخل الفقاعة الأصلية لا يمكننا رصدها لبُعدها عن أفق حدث كوننا (حدود كوننا).
لأن فقاعتنا تتمدد أسرع من الضوء، فإن الضوء الموجود على حافتها لن يصل أبدًا إلى الطرف الآخر، وسيظل لدينا أفق نعتقد أنه نهاية الكون. هذا يعني أن الضوء المنبعث اليوم من حدود كوننا المرئي لن يتمكن من الوصول إلى الطرف الآخر بسبب سرعة التمدد التي تفوق سرعة الضوء.
ننظر إلى السماء ونقدر أن أبعد ضوء يصل إلينا يبلغ حوالي 14 مليار سنة ضوئية، لكن هذا لا يعني أن هذا هو العمر الحقيقي للكون أو أن هذا هو حجم الكون الحقيقي، بل يعني أن كوننا المرئي (فقاعة) هو فقاعة لا يمكن فيها للقوانين الفيزيائية التي نعرفها وأفق ملاحظتنا تجاوز حدود تسارعها.
تتوسع فقاعتنا بشكل أسرع من سرعة الضوء، بينما لا يمكن لأي شيء بداخلها، حتى الضوء، أن يتحرك أسرع من سرعة السببية (الضوء)، لذلك تصبح ما نسميه الكون المرئي.
إذا أردنا تخيّل كونٍ موازٍ لكوننا، فعلينا أن نتحرك خارج أفق حدث كوننا بسرعة تفوق سرعة الضوء بعشرات المرات، لنتمكن من تجاوز سرعة التوسع الكوني. بافتراض أننا استطعنا فعل ذلك، وتجاوزنا سرعة الضوء بآلاف المرات لتعويض السنوات التي توسع فيها الكون قبل 14 مليار سنة، وبافتراض أننا تجاوزنا 94 مليار سنة ضوئية التي تحدد كوننا الحالي، ثم توقفنا، سنلاحظ أن “منظورًا جديدًا” يختلف عن كوننا الحالي محدودٌ للغاية. فهو يتوسع من نقطة وصولنا، لذا فإن البشر على كوكب الأرض بعيدون جدًا عنا لدرجة أن ضوء كوكبهم لا يصل إلينا، وحتى لو وصل، فلن يصل إلينا أبدًا لأننا خارج نطاق سرعة التوسع. كذلك، فإن السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء بألف مرة، نظريًا، يعني أننا نعود بالزمن إلى الوراء، مما يعني أننا سنلاحظ أن كوننا يتقلص بدلًا من أن يتوسع لأننا نسافر بسرعة تفوق سرعة توسعه.
الفكرة هنا هي أن الكون المتعدد ليس سوى تعبير يصف الفقاعات السببية التي نتجت عن تضخم الكون الأولي، ثم أصبحت الكائنات الموجودة داخل تلك الفقاعات محكومة بسرعة السببية وعدم قدرتها على الخروج لأن سرعة التوسع أكبر من السببية داخلها.
الكون هو كل شيء، وتسمية الأكوان المتعددة ليست سوى طريقتنا للقول بأنه قد يكون هناك أكوان مرئية متعددة، لكنها جميعًا تقع داخل كون واحد قد يتوسع بلا حدود.
نحن مجرد نقطة واحدة من بين تريليونات النقاط في فقاعة كونية من بين عدد لا نهائي من الأكوان المرئية لأولئك الذين يعيشون داخلها.
تُفسّر فكرة الأكوان المتعددة مغالطة التركيب الذكي الذي يفترض إمكانية ظهور الحياة فقط إذا كانت القوانين الفيزيائية مطابقة تمامًا لتلك الموجودة في كوننا. وهذه هي القوانين التي نرصدها.


